لا تكن كالبحر الميت

نعم لا تكن كذلك البحر
الذي لايعيش في داخله أي شيء




لا تكن كالبحر الميت
فلا تبحر فيك سفن الألفة والإخاء بالآخرين
ولا حتى ترسي سفن المحبة في موانئك
...




لا تكن كالبحر الميت
بعيدا و وحيدا ومنقطعا
عن الترابط والوصال بمن حولك


فتفقد كل من أحبوك يوما ما
...



لا تكن كالبحرالميت
منخفض وأقل مستوى على سطح الارض ...
بل اسمو بنفسك إلى العلياء دوما...

لا تكن كالبحرالميت
أشد ملوحة ومضاضة من الآخرين
...
فلا تملك إلا الملح المر في يدك
...



لا تكن كالبحرالميت
فاقد لكل الحلي الجميلة من لؤلؤ ومرجان التي
هي
كنز من كنوز البحار... أو كنز من كنوزك
...



لا تكن كالبحرالميت
غريب وشاذ عن كل من هم حوله

وتضع فوق رأسك أكثر من علامة أستفهام
?



لا تكن كالبحر الميت
فتحكم على روحك بالموت مبكرا وأنت لازلت حيا

الحــــــــــــرية

أخبرنا أستاذي يوما


عن شيء يدعى الحرية

فسألت الأستاذ بلطف


أن يتكلم بالعربية

ما هذا اللفظ وما تعنى


وأية شيء حرية

هل هي مصطلح يوناني


عن بعض الحقب الزمنية

أم أشياء نستوردها


أو مصنوعات وطنية

فأجاب معلمنا حزنا


وانساب الدمع بعفوية

قد أنسوكم كل التاريخ


وكل القيم العلوية

أسفي أن تخرج أجيال


لا تفهم معنى الحرية

لا تملك سيفا أو قلما


لا تحمل فكرا وهوية

وعلمت بموت مدرسنا


في الزنزانات الفردية

فنذرت لئن أحياني الله


وكانت بالعمر بقية

لأجوب الأرض بأكملها


بحثا عن معنى الحرية

وقصدت نوادي أمتنا


أسألهم أين الحرية

فتواروا عن بصري هلعا


وكأن قنابل ذرية

ستفجر فوق رؤوسهم


وتبيد جميع البشرية

وأتى رجل يسعى وجلا


وحكا همسا وبسرية

لا تسأل عن هذا أبدا


أحرف كلماتك شوكية

هذا رجس هذا شرك


في دين دعاة الوطنية

إرحل فتراب مدينتنا


يحوى أذانا مخفية

تسمع ما لا يحكى أبدا


وترى قصصا بوليسية

ويكون المجرم حضرتكم


والخائن حامي الشرعية

ويلفق حولك تدبير


لإطاحة نظم ثورية

وببيع روابي بلدتنا


يوم الحرب التحريرية

وبأشياء لا تعرفها


وخيانات للقومية

وتساق إلى ساحات الموت


عميلا للصهيونية

واختتم النصح بقولته


وبلهجته التحذيرية

لم أسمع شيئا لم أركم


ما كنا نذكر حرية

هل تفهم؟ عندي أطفال


كفراخ الطير البرية

وذهبت إلى شيخ الإفتاء


لأسأله ما الحرية

فتنحنح يصلح جبته


وأدار أداة مخفية

وتأمل في نظارته


ورمى بلحاظ نارية

واعتدل الشيخ بجلسته


وهذى باللغة الغجرية

اسمع يا ولدي معناها


وافهم أشكال الحرية

ما يمنح مولانا يوما


بقرارات جمهورية

أو تأتي مكرمة عليا


في خطب العرش الملكية

والسير بضوء فتاوانا


والأحكام القانونية

ليست حقا ليست ملكا


فأصول الأمر عبودية

وكلامك فيه مغالطة


وبه رائحة كفرية

هل تحمل فكر أزارقة؟


أم تنحو نحو حرورية

يبدو لي أنك موتور


لا تفهم معنى الشرعية

واحذر من أن تعمل عقلا


بالأفكار الشيطانية

واسمع إذ يلقي مولانا


خطبا كبرى تاريخية

هي نور الدرب ومنهجه


وهي الأهداف الشعبية

ما عرف الباطل في القول


أو في فعل أو نظرية

من خالف مولانا سفها


فنهايته مأساوية

لو يأخذ مالك أجمعه


أو يسبي كل الذرية

أو يجلد ظهرك تسلية


وهوايات ترفيهية

أو يصلبنا ويقدمنا


قربانا للماسونية

فله ما أبقى أو أعطى


لا يسأل عن أي قضية

ذات السلطان مقدسة


فيها نفحات علوية

قد قرر هذا يا ولدي


في فقرات دستورية

لا تصغي يوما يا ولدي


لجماعات إرهابية

لا علم لديهم لا فهما


لقضايا العصر الفقهية

يفتون كما أفتى قوم


من سبع قرون زمنية

تبعوا أقوال أئمتهم


من أحمد لابن الجوزية

أغرى فيهم بل ضللهم


سيدهم وابن التيمية

ونسوا أن الدنيا تجري


لا تبقى فيها الرجعية

والفقه يدور مع الأزمان


كمجموعتنا الشمسية

وزمان القوم مليكهم


فله منا ألف تحية

وكلامك معنا يا ولدي


أسمى درجات الحرية

فخرجت وعندي غثيان


وصداع الحمى التيفية

وسألت النفس أشيخ هو؟


أم من أتباع البوذية؟

أو سيخي أو وثني


من بعض الملل الهندية

أو قس يلبس صلبانا


أم من أبناء يهودية

ونظرت ورائي كي أقرأ


لافتة الدار المحمية

كتبت بحروف بارزة


وبألوان فسفورية

هيئات الفتوى والعلما


وشيوخ النظم الأرضية

من مملكة ودويلات


وحكومات جمهورية

هل نحن نعيش زمان


التيه وذل نكوص ودنية

تهنا لما ما جاهدنا


ونسينا طعم الحرية

وتركنا طريق رسول الله


لسنن الأمم السبأية

قلنا لما أن نادونا


لجهاد النظم الكفرية

روحوا أنتم سنظل هنا


مع كل المتع الأرضية

فأتانا عقاب تخلفنا


وفقا للسنن الكونية

ووصلت إلى بلاد السكسون


لأسألهم عن حرية

فأجابوني: “سوري سوري


نو حرية نو حرية”

من أدراهم أني سوري


ألأني أطلب حرية؟!

وسألت المغتربين وقد


أفزعني فقد الحرية

هل منكم أحد يعرفها


أو يعرف وصفا ومزية

فأجاب القوم بآهات


أيقظت هموما منسية

لو رزقناها ما هاجرنا


وتركنا الشمس الشرقية

بل طالعنا معلومات


في المخطوطات الأثرية

أن الحرية أزهار


ولها رائحة عطرية

كانت تنمو بمدينتنا


وتفوح على الإنسانية

ترك الحراس رعايتها


فرعتها الحمر الوحشية

وسألت أديبا من بلدي


هل تعرف معنى الحرية

فأجاب بآهات حرى


لا تسألنا نحن رعية

وذهبت إلى صناع الرأي


وأهل الصحف الدورية

ووكالات وإذاعات


ومحطات تلفازية

وظننت بأني لن أعدم


من يفهم معنى الحرية

فإذا بالهرج قد استعلى


وأقيمت سوق الحرية

وخطيب طالب في شمم


أن تلغى القيم الدينية

وبمنع تداول أسماء


ومفاهيم إسلامية

وإباحة فجر وقمار


وفعال الأمم اللوطية

وتلاه امرأة مفزعة


كسنام الإبل البختية

وبصوت يقصف هدار


بقنابلها العنقودية

إن الحرية أن تشبع


نار الرغبات الجنسية

الحرية فعل سحاق


ترعاه النظم الدولية

هي حق الإجهاض عموما


وإبادة قيم خلقية

كي لا ينمو الإسلام ولا


تأتي قنبلة بشرية

هي خمر يجري وسفاح


ونواد الرقص الليلية

وأتى سيدهم مختتما


نادي أبطال الحرية

وتلى ما جاء الأمر به


من دار الحكم المحمية

أمر السلطان ومجلسه


بقرارات تشريعية

تقضي أن يقتل مليون


وإبادة مدن الرجعية

فليحفظ ربي مولانا


ويديم ظلال الحرية

فبمولانا وبحكمته


ستصان حياض الحرية

وهنالك أمر ملكي


وبضوء الفتوى الشرعية

يحمي الحرية من قوم


راموا قتلا للحرية

ويوجه أن تبنى سجون


في الصحراء الإقليمية

وبأن يستورد خبراء


في ضبط خصوم الحرية

يلغى في الدين سياسته


وسياستنا لا دينية

وليسجن من كان يعادي


قيم الدنيا العلمانية

أو قتلا يقطع دابرهم


ويبيد الزمر السلفية

حتى لا تبقى أطياف


لجماعات إسلامية

وكلام السيد راعينا


هو عمدتنا الدستورية

فوق القانون وفوق الحكم


وفوق الفتوى الشرعية

لا حرية لا حرية


لجميع دعاة الرجعية

لا حرية لا حرية


أبدا لعدو الحرية

ناديت أيا أهل الإعلام


أهذا معنى الحرية؟

فأجابوني بإستهزاء


وبصيحات هيستيرية

الظن بأنك رجعي


أو من أعداء الحرية

وانشق الباب وداهمني


رهط بثياب الجندية

هذا لكما هذا ركلا


ذياك بأخمص روسية

اخرج خبر من تعرفهم


من أعداء للحرية

وذهبت بحالة إسعاف


للمستشفى التنصيرية

وأتت نحوي تمشي دلعا


كطير الحجل البرية

تسأل في صوت مغناج


هل أنت جريح الحرية

أن تطلبها فالبس هذا


واسعد بنعيم الحرية

الويل لك ما تعطيني


أصليب يمنح حرية

يا وكر الشرك ومصنعه


في أمتنا الإسلامية

فخرجت وجرحي مفتوح


لأتابع أمر الحرية

وقصدت منظمة الأمم


ولجان العمل الدولية

وسألت مجالس أمتهم


والهيئات الإنسانية

ميثاقكم يعني شيئا


بحقوق البشر الفطرية

أو أن هناك قرارات


عن حد وشكل الحرية

قالوا الحرية أشكال


ولها أسس تفصيلية

حسب البلدان وحسب الدين


وحسب أساس الجنسية

والتعديلات بأكملها


والمعتقدات الحالية

ديني الإسلام وكذا وطني


وولدت بأرض عربية

حريتكم حددناها


بثلاث بنود أصلية

فوق الخازوق لكم علم


والحفل بيوم الحرية

ونشيد يظهر أنكم


أنهيتم شكل التبعية

ووقفت بمحراب


التاريخ لأسأله ما الحرية

فأجاب بصوت مهدود


يشكو أشكال الهمجية

إن الحرية أن تحيا


عبدا لله بكلية

وفق القرآن ووفق الشرع


ووفق السنن النبوية

لا حسب قوانين طغاة


أو تشريعات أرضية

وضعت كي تحمي ظلاما


وتعيد القيم الوثنية

الحرية ليست وثنا


يغسل في الذكرى المئوية

ليست فحشا ليست فجرا


أو أزياء باريسية

والحرية لا تعطيه


هيئات الكفر الأممية

ومحافل شرك وخداع


من تصميم الماسونية

هم سرقوها أفيعطوها؟


هذا جهل بالحرية

الحرية لا تستجدي


من سوق النقد الدولية

والحرية لا تمنحها


هيئات البر الخيرية

الحرية نبت ينمو


بدماء حرة وزكية

تؤخذ قسرا تبنى صرحا


يرعى بجهاد وحمية

يعلو بسهام ورماح


ورجال عشقوا الحرية

اسمع ما أملي يا ولدي


وارويه لكل البشرية

إن تغفل عن سيفك يوما


فانس موضوع الحرية

فغيابك عن يوم لقاء


هو نصر للطاغوتية

والخوف لضيعة أموال


أو أملاك أو ذرية

طعن يفري كبدا حرة


ويمزق قلب الحرية

إلا إن خانوا أو لانوا


وأحبوا المتع الأرضية

يرضون بمكس الذل


ولم يعطوا مهرا للحرية

لن يرفع فرعون رأسا


إن كانت بالشعب بقية

فجيوش الطاغوت الكبرى


في وأد وقتل الحرية

من صنع شعوب غافلة


سمحت ببروز الهمجية

حادت عن منهج خالقها


لمناهج حكم وضعية

واتبعت شرعة إبليس


فكساها ذلا ودنية

فقوى الطاغوت يساويها


وجل تحيا فيه رعية

لن يجمع في قلب أبدا


إيمان مع جبن طوية

العائدون الي الله

أردت إفسادها فأنقذتني

داعية ولكن من نوع وتوجه آخر ... خط لنفسه طريق وهدف ولكن كان يؤدي إلى الهلاك والفساد . فمضى في تنفيذ مخططه حتى سقط ضحية فتاة عرفت كيف تتعامل مع أمثاله ..
فقلدتني الشياطين أغلى وسام لديها، وصرت تبعاً لها ...بل لم تمضي أيام
حتى تمردت عليها فأصبحت هي التابعة لي ، فأخذت مسلك الشر وأستسقيت من منهاله المر الذي أشد من مرارة العلقم وأيم الله ... فلم أتخلى يوماً عن المشاركة في تفتيت روابط القيم والشيم الرفيعة ، حتى أصبح إسمي علماً من أعلام الغواية والضلال ...

وذات مرة أسترعى إنتباهي فتاة كانت في الحي الذي أسكن فيه ، وكانت

كثيراً ماتنظر إلىّ نظرة لم أعي معناها ... لكنها لم تكن نظرات عشق
ولاغرام ، رغم أنني لاأعرف العشق ولا الغرام حيث لم يكن لي قلب وقتها ..وتغلغلت في أفكاري تلك النظرات التي أستوقفتني كثيراً ، حتى هممت

أن أضع شراكي على تلك الفتاة

وبعد فترة أخذت منظومة شعرية يقولون أنها منظومة عشق ، فأرسلتها لها عبر باب منزلها ، ولكن لم أجد منها رد بذلك ولاتجاوب ... وأخذتني بعدها العزة بالأثم لأغوين تلك الفتاة شاءت أم أبت ،فكتبت فيها قصيدةً شعرية من غير ذكر إسم لها ...

حتى وصلها الخبر بذلك ، لكنها لم تتصرف ولم يأتي منها شئ ، وذات ليلة كنت عائداً إلى منزلي الساعة الرابعة فجراً ، فأنا ممن هو مستخفي بالنهار وساربُ ُ بالليل ... وإذا بي أجد عند الباب كتاب عن الأذكار النبوية ، فأحمر وجهي لذلك وأستحضرت جميع إرادات الشر التي بداخلي ، حيث عرفت أن التي أرسلته لي هي تلك الفتاة ...

وبهذا فهي قد أعلنت حرباً معي ، ففكرت وقتها على أن أكتب قصيدة عن واقعة حب بيني وبينها وأنشرها بالحي ، وبعدها أكون قد خدشت بشرفها ... وجلست أستوحي ماتمليه الشياطين على ّ من ذلك الوحي الشعري ، ففرغت من قصيدتي تلك وأرسلت بها إلى دارها مهدداً إياها بأن ذلك سوف ينشر لدى كافة معارفك ...

وجاءني المرسول الذي بعثت معه القصيدة بتمرات ، وقال لي إن الفتاة صائمة اليوم وهي على وشك الإفطار وقد أرسلت معي هذه التمرات لك هديةً منها لك على قصيدتك بها ، وتقول لك إنها ستدعو الله لك بالهداية ساعة الإفطار ... فأخذت تلك التمرات وألقيتها أرضاً ، وأحمرت عيناي بالشر ، وتوعدتها بالإنتقام عاجلاً أم آجل ، ولن أدعها على طريق الخير أبداً ماحييت ...

وأخذت أتصيد فترات روحاتها وجياتها للمسجد بألقاء عبارات السخرية والإستهزاء بها فكان من معها من البنات يضحكن عليها أشد الضحك ومع ذلك لم تحرك تلك الإستهزاءات ساكناً فيها ...

ومرة الأيام ورأيت أنني فشلت في محاولاتي تلك بأن أضل تلك الفتاة وأستمرت وهي بإرسال كتيبات دينية لي ، وكل يوم إثنين وخميس هي الأيام التي كانت تصوم فيهما كانت ترسل التمر لي ، وكأن لسان حالها يقول أنها قد أنتصرت علىّ ، هذا ماكنت أظنه من تصرفاتها تلك ...

وماهي إلا أِشهر إلا وسافرت خارج البلاد باحثاً عن السعادة واللذات
الدنيوية التي لم أرآها في بلدي ، ومكثت قرابة أربعة أشهر ، وكنت وأنا
خارج بلدي منشغل الفكر بتلك الفتاة ، وكيف نجت من جميع الخطط التي
وضعتها لها


وفكرت فور وصولي لبلدي أن أبدأ معها المشوار مرة أخرى
بأسلوب أكثر خبثاً ودهاءاً وقررت أنني سوف أردها عن تدينها وأجعلها
تسير على درب الشر


وجاء موعد الرحلة والرجوع لبلدي وكان يومها يوم خميس ، وهو من الأيام التي كانت تصومه تلك الفتاة ، وحينما قدم لنا القهوة والتمر بالطائرة أخذت بشرب القهوة أم التمر فألقيت به حيث كان رمزاً للصائمين ويذكرني بها


وهبطت الطائرة بمطار المدينة التي أسكن بها وكان الوقت الواحدة ظهراً ، وركبت سيارة الأجرة متوجهاً لمنزلي ، وهناك زارني أصدقائي فور وصولي ، وكلاً منهم قد حصل على هديته مني وكانت تلك الهداية كلها خبيثة ، وكانت أكبرها قيمة وأعظمها شراً هدية خصصتها لتلك الفتاة ، كي أرسلها لها ، ولأرى ماتفعله بعد ذلك ...

وخرجت ذاهباً لأتصيد الفتاة عند مقربةً من المسجد قبل صلاة المغرب

حيث كانت حريصةً على أداء الصلاة في المسجد لأن بالمسجد كان جمعية
نسائية لتحفيظ القرآن


وماأن أذن المغرب وفرغ من الأذان وجاء وقت الإقامة ، ولم أرى الفتاة ، أستغربت ، وقلت في نفسي قد تكون الفتاة تغيرت أثناء سفري وهجرت المسجد وتخلت عن تدينها ذلك ... فعدت لمنزلي ، وأنا كلي أمل بأن تكون توقعاتي تلك محلها، وأثناء ماكنت أقلب في كتبي وجدت مصحفاً مكتوب عليه إهداء إليك لعل الله أن يهديك إلى صراطه المستقيم ، التوقيع / اسم الفتاة ... فأبعدته عني وسألت الخادمة من أحضر هذا المصحف إلى هنا فلم تجبني

وخرجت في يومي الثاني منتظراً الفتاة عند باب المسجد ومعي المصحف كي أسلمها إياه وأقول لها أنا لست بحاجةٍ إليه ، كماأنني سوف أبعدك عنه قريباً ، وأنتظرت الفتاة عند المسجد ولكن لم تأتي ..

وكررت ذلك عدة أيام لكن دون فائدة فلم اراها ، فذهبت إلى مقربة من منزلها وسألت أحد الصبيان الصغار الذين كانوا يلعبون مع أخوة لتلك الفتاة ، فسألتهم: هل فلانة موجودة ؟ فقالوا لي : ولماذا هذا السؤال ! ربما أنت لست من هذا الحي ..قلت بلى ولكن لدي رسالة من صديقة لها كنت أود أن تذهبوا بها لها


فقالوا لي إن من تسأل عنها

قد توفاها الله وهي ساجدة تصلي بالمسجد قبل أكثر من شهرين


عندها ما أدري ما الذي أصابني فقد أخذت الدنيا تدور بي وأوشكت أن أقع من طولي ، ورق قلبي وأخذ الدمع من عيني يسيل ، فعيناي التي لم تعرف الدمع دهراً سالت منها تلك الدموع بغزارة ، ولكن لماذا كل هذا الحزن ؟



أهو من أجل موتها وحسن خاتمتها أم من أجل شئ آخر ؟ لم أقدر أن أركز وأعلم سبباً وتفسيراً لذلك الحزن الشديد ، أخذت بالعودة لمنزلي سيراً
على الأقدام وأنا هائم لاأدري أين هي وجهتي وإلى أين أنا ذاهب

وجلست أطرق باب منزلي بينما مفتاح الباب بداخل جيبي ، لقد نسيت كل شئ نسيت من أنا أصبحت أنظر وأتذكر نظرات تلك الفتاة في كل مكان تلاحقني ...وأيقنت بعدها أنها لم تكن نظرات خبث ولاشئ آخر بل نظرات شفقة ورحمة علىّ ، فقد كانت تتمنى أن تبعدني هي عن طريق الشر


فقررت بعد وفاتها أن أعتزل أهلي ، وفعلاً أعتزلت أهلي والناس جميعاً أكثر من سنة وسكنت بعيداً عن ذلك الحي وتغيرت حالتي ، وصار خيالها دوماً أراه لم يتركني حتى في وحدتي ، أصبحت أراها وهي ذاهبة للمسجد وحينما تعود ، وحاول الكثير من أصدقائي أن يعرفوا سبب بعدي عن المجتمع وعن رغبتي وأختياري للعيش وحيداً لكنني لم أخبرهم بالسبب


وكان المصحف الذي أهدتني إياها لايزال معي ، فصرت أقبله وأبكي وقمت فوراً بالوضوء والصلاة لكنني سقطت من طولي فكلما حاولت أن أقوم أسقط ، لأني لم أكن أصلي طوال عمري ، فحاولت جاهداً فأعانني الله ونطقت بإسمه ، ودعيت وبكيت لله بأن يسامحني وبأن يرحم تلك الفتاة رحمةً واسعة من عنده ، تلك الفتاة التي كانت دائماً ماتسعى لإصلاحي


وكنت أنا أسعى لإفسادها ، لكن تمنيت لو انها لم تمت لأجل تراني على الإستقامة ، لكن لا راد لقضاء الله ، وصرت دوماً


أدعو لها وأسأل الله لها الرحمة وأن يجمعني بها في مستقر رحمته وأن
يحشرني معها ومع عباده الصالحين

حسن الخاتمة

توقف القلب وبقيت على لسانها الشهادتان

أُدخلت إلى قسم الإسعاف امرأة في الخامسة والخمسين من عمرها … وذلك إثر ذبحة صدرية شديدة … أدت إلى توقف قلبها …

اتصل بي الزملاء … وطلبوا مني الإسراع لرؤيتها ، وكان ذلك في السابعة صباحاً تقريباً …

هرعت إلى الإسعاف لعل الله أن يكتب لها الشفاء على يدي … فلما وصلت … وجدت أن الذبحة الشديدة أدت إلى فصل كهرباء القلب عن القلب … فطلبت نقلها بسرعة إلى قسم قسطرة القلب لعمل القسطرة وتوصيل الكهرباء لها …

وفي أثناء تدليك قلبها ومحاولة إنعاشه ورغم أن الجهاز يشير إلى توقف قلبها إلا أنه حدث شئ غريب … لم أره ، ولم أعهده من قبل !!!

أتدرون ما هو ؟! لقد انتبهت المرأة وفتحت عيناها …بل تكلمت !!! لكن .. أتدرون ماذا قالت ؟! هل تظنون أنها صرخت ؟ هل اشتكت ؟! هل طلبت المساعدة ؟! هل قالت إين زوجي وأولادي ؟!

هل نطقت بكلمة عن أمر من أمور الدنيا ؟!

لا والله … بل كانت أول كلمة سمعتها منها كلمة التوحيد العظيمة .

أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم … ثم ماذا ؟! ماذا تتوقعون ؟!

توقف القلب مرة أخرى … وصاح الجهاز معلناً توقف قلبها …

فحاولت مرة أخرى بالتدليك وإنعاش القلب مرة ثانية …

وسبحان الله !! تكرر الأمر مرة أخرى … فُتحت العينان … ونطق اللسان بالشهادتين

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله .

وهل تصدقون أن ذلك تكرر أمام ناظري ثلاث مرات يتوقف القلب … ثم ينطق اللسان بالشهادتين ولا أسمع كلمة أخرى … لا أنين … ولا شكوى …ولا طلب دنيوي …

إنما فقط ذكر لله ونطق بالشهادتين !!

ثم بعد ذلك توفيت رحمها الله ورأيت أمراً عجباً …

لقد استنار وجهها !!

نعم … صدقوني … والله الذي لا إله إلا هو لقد استنار وجهها … لقد رأيته يُشع نوراً …

وهكذا كانت نهايتها …

قال أبو مصعب – عفا الله عنه – وهذه من علامات حسن الخاتمة إن شاء الله … فإن الله جل وعلا يقول ) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة( وهذا من تثبيت الله لها … أن أنطقها بالشهادتين عند موتها وقد صح في الحديث عن أحمد وأبي داود عن معاذ قال ( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة )15

ثم إن استنارة وجهها … وإشراقته علامة أخرى أيضاً .

ففي حديث طلحة بن عبيدالله عند ما زاره عمر وهو ثقيل وفيه ( إني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات ، سمعته يقول : إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه ، ونفّس الله عنه كربته ، قال ، فقال عمر : إني لا علم ما هي ! قال : وما هي ؟ قال : تعلم كلمة أعظم من كلمة أمر بها عمّه عند الموت : لا إله إلا الله ؟ قال طلحة ؟ صدقت هي والله هي )16 .

ومحل الشاهد قوله أشرق لها لونه … وهذا ما شهد به الأخ خالد حفظه الله بعد نطقها مراراً بالشهادتين … فهنيئاً لها ونسأل الله حسن الخاتمة .

ولكن !! هل انتهت القصة عند هذا الحد ؟! الجواب لا يواصل محدثي الدكتور خالد :… فخرجت إلى زوجها معزياً فوجدته رجلاً بسيطا … متواضع الملبس … يظهر أنه فقير الحال … فواسيته وعزيته وذكرتّه بالله ، فلم أر منه إلا التسليم والاسترجاع والرضى بما قدّر الله تعالى … ورأيت في وجهه نور الإيمان والطاعة …

فقلت له : يا أخي الكريم لقدحصل من زوجتك أمراً عجباً بل أمور تبشر بالخير والحمد لله ولكني أحب أن أسألك سؤالاً … كيف كانت حياتها … وماذا كانت تصنع ؟!

قال وبكل بساطة وبدون تعقيد لقد تزوجتها منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً … ومنذ تلك الفترة وطيلة حياتها معي لم أرها تترك صلاة الوتر وقيام الليل في ليلة من الليالي إلا أن تكون مريضة أو معذورة !!

فقلت في نفسي … لمثل هذا فليعمل العاملون … نعم … قيام الليل وما أدراك ما قيام الليل ؟!

إنه شرف المؤمن كما في حديث جبريل الصحيح وهو دأب الصالحين قبلنا …

قال تعالى ( كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون ) الذاريات 17 – 18

إذا ما الليل أقبل كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع

لهم تحت الظلام وهم ركوع أنين منه تنفرج الضلوع

وصدق الله ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون.فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) السجدة 16/17 .

نسأل الله التوفيق لقيام الليل وعمل الصالحات وحسن الختام ।منقول من موقع نسائم قصص وعبر من الحياه

كما تدين تدان

لم أكن جاوزت الثلاثين حين أنجبت زوجتي أوّل أبنائي॥ ما زلت أذكر تلك الليلة ॥ بقيت إلى آخر الليل مع الشّلة في إحدى الاستراحات .. كانت سهرة مليئة بالكلام الفارغ .. بل بالغيبة والتعليقات المحرمة .. كنت أنا الذي أتولى في الغالب إضحاكهم .. وغيبة الناس .. وهم يضحكون .. أذكر ليلتها أنّي أضحكتهم كثيراً.. كنت أمتلك موهبة عجيبة في التقليد .. بإمكاني تغيير نبرة صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص الذي أسخر منه .. أجل كنت أسخر من هذا وذاك .. لم يسلم أحد منّي حتى أصحابي .. صار بعض الناس يتجنّبني كي يسلم من لساني .. أذكر أني تلك الليلة سخرت من أعمى رأيته يتسوّل في السّوق.. والأدهى أنّي وضعت قدمي أمامه فتعثّر وسقط يتلفت برأسه لا يدري ما يقول .. وانطلقت ضحكتي تدوي في السّوق .. عدت إلى بيتي متأخراً كالعادة .. وجدت زوجتي في انتظاري .. كانت في حالة يرثى لها .. قالت بصوت متهدج : راشد .. أين كنتَ ؟ قلت ساخراً : في المريخ .. عند أصحابي بالطبع .. كان الإعياء ظاهراً عليها .. قالت والعبرة تخنقها: راشد… أنا تعبة جداً .. الظاهر أن موعد ولادتي صار وشيكا .. سقطت دمعة صامته على خدها .. أحسست أنّي أهملت زوجتي .. كان المفروض أن أهتم بها وأقلّل من سهراتي .. خاصة أنّها في شهرها التاسع .. حملتها إلى المستشفى بسرعة .. دخلت غرفة الولادة .. جعلت تقاسي الآلام ساعات طوال .. كنت أنتظر ولادتها بفارغ الصبر .. تعسرت ولادتها .. فانتظرت طويلاً حتى تعبت .. فذهبت إلى البيت .. وتركت رقم هاتفي عندهم ليبشروني .. بعد ساعة .. اتصلوا بي ليزفوا لي نبأ قدوم سالم .. ذهبت إلى المستشفى فوراً .. أول ما رأوني أسأل عن غرفتها .. طلبوا منّي مراجعة الطبيبة التي أشرفت على ولادة زوجتي .. صرختُ بهم : أيُّ طبيبة ؟! المهم أن أرى ابني سالم .. قالوا .. أولاً .. راجع الطبيبة .. دخلت على الطبيبة .. كلمتني عن المصائب .. والرضى بالأقدار .. ثم قالت : ولدك به تشوه شديد في عينيه ويبدوا أنه فاقد البصر !! خفضت رأسي .. وأنا أدافع عبراتي .. تذكّرت ذاك المتسوّل الأعمى .. الذي دفعته في السوق وأضحكت عليه الناس .. سبحان الله كما تدين تدان ! بقيت واجماً قليلاً .. لا أدري ماذا أقول .. ثم تذكرت زوجتي وولدي .. فشكرت الطبيبة على لطفها .. ومضيت لأرى زوجتي .. لم تحزن زوجتي .. كانت مؤمنة بقضاء الله .. راضية .. طالما نصحتني أن أكف عن الاستهزاء بالناس .. كانت تردد دائماً .. لا تغتب الناس .. خرجنا من المستشفى .. وخرج سالم معنا .. في الحقيقة .. لم أكن أهتم به كثيراً.. اعتبرته غير موجود في المنزل .. حين يشتد بكاؤه أهرب إلى الصالة لأنام فيها .. كانت زوجتي تهتم به كثيراً .. وتحبّه كثيراً .. أما أنا فلم أكن أكرهه .. لكني لم أستطع أن أحبّه ! كبر سالم .. بدأ يحبو .. كانت حبوته غريبة .. قارب عمره السنة فبدأ يحاول المشي .. فاكتشفنا أنّه أعرج .. أصبح ثقيلاً على نفسي أكثر .. أنجبت زوجتي بعده عمر وخالداً .. مرّت السنوات .. وكبر سالم .. وكبر أخواه .. كنت لا أحب الجلوس في البيت .. دائماً مع أصحابي .. في الحقيقة كنت كاللعبة في أيديهم .. لم تيأس زوجتي من إصلاحي.. كانت تدعو لي دائماً بالهداية .. لم تغضب من تصرّفاتي الطائشة .. لكنها كانت تحزن كثيراً إذا رأت إهمالي لسالم واهتمامي بباقي إخوته .. كبر سالم .. وكبُر معه همي .. لم أمانع حين طلبت زوجتي تسجيله في أحدى المدارس الخاصة بالمعاقين .. لم أكن أحس بمرور السنوات .. أيّامي سواء .. عمل ونوم وطعام وسهر .. في يوم جمعة .. استيقظت الساعة الحادية عشر ظهراً.. ما يزال الوقت مبكراً بالنسبة لي .. كنت مدعواً إلى وليمة .. لبست وتعطّرت وهممت بالخروج .. مررت بصالة المنزل .. استوقفني منظر سالم .. كان يبكي بحرقة ! إنّها المرّة الأولى التي أنتبه فيها إلى سالم يبكي مذ كان طفلاً .. عشر سنوات مضت .. لم ألتفت إليه .. حاولت أن أتجاهله .. فلم أحتمل .. كنت أسمع صوته ينادي أمه وأنا في الغرفة .. التفت .. ثم اقتربت منه .. قلت : سالم ! لماذا تبكي ؟! حين سمع صوتي توقّف عن البكاء .. فلما شعر بقربي .. بدأ يتحسّس ما حوله بيديه الصغيرتين .. ما بِه يا ترى؟! اكتشفت أنه يحاول الابتعاد عني !! وكأنه يقول : الآن أحسست بي .. أين أنت منذ عشر سنوات ؟! تبعته .. كان قد دخل غرفته .. رفض أن يخبرني في البداية سبب بكائه .. حاولت التلطف معه .. بدأ سالم يبين سبب بكائه .. وأنا أستمع إليه وأنتفض .. تدري ما السبب !! تأخّر عليه أخوه عمر .. الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد .. ولأنها صلاة جمعة .. خاف ألاّ يجد مكاناً في الصف الأوّل .. نادى عمر .. ونادى والدته .. ولكن لا مجيب .. فبكى .. أخذت أنظر إلى الدموع تتسرب من عينيه المكفوفتين .. لم أستطع أن أتحمل بقية كلامه .. وضعت يدي على فمه .. وقلت : لذلك بكيت يا سالم !!.. قال : نعم .. نسيت أصحابي .. ونسيت الوليمة .. وقلت : سالم لا تحزن .. هل تعلم من سيذهب بك اليوم إلى المسجد؟ .. قال : أكيد عمر .. لكنه يتأخر دائماً .. قلت : لا .. بل أنا سأذهب بك .. دهش سالم .. لم يصدّق .. ظنّ أنّي أسخر منه .. استعبر ثم بكى .. مسحت دموعه بيدي .. وأمسكت يده .. أردت أن أوصله بالسيّارة .. رفض قائلاً : المسجد قريب .. أريد أن أخطو إلى المسجد .. - إي والله قال لي ذلك - .. لا أذكر متى كانت آخر مرّة دخلت فيها المسجد .. لكنها المرّة الأولى التي أشعر فيها بالخوف .. والنّدم على ما فرّطته طوال السنوات الماضية .. كان المسجد مليئاً بالمصلّين .. إلاّ أنّي وجدت لسالم مكاناً في الصف الأوّل .. استمعنا لخطبة الجمعة معاً وصلى بجانبي .. بل في الحقيقة أنا صليت بجانبه .. بعد انتهاء الصلاة طلب منّي سالم مصحفاً .. استغربت !! كيف سيقرأ وهو أعمى ؟ كدت أن أتجاهل طلبه .. لكني جاملته خوفاً من جرح مشاعره .. ناولته المصحف .. طلب منّي أن أفتح المصحف على سورة الكهف.. أخذت أقلب الصفحات تارة .. وأنظر في الفهرس تارة .. حتى وجدتها .. أخذ مني المصحف .. ثم وضعه أمامه .. وبدأ في قراءة السورة .. وعيناه مغمضتان .. يا الله !! إنّه يحفظ سورة الكهف كاملة !! خجلت من نفسي.. أمسكت مصحفاً .. أحسست برعشة في أوصالي.. قرأت .. وقرأت.. دعوت الله أن يغفر لي ويهديني .. لم أستطع الاحتمال .. فبدأت أبكي كالأطفال .. كان بعض الناس لا يزال في المسجد يصلي السنة .. خجلت منهم .. فحاولت أن أكتم بكائي .. تحول البكاء إلى نشيج وشهيق .. لم أشعر إلاّ بيد صغيرة تتلمس وجهي .. ثم تمسح عنّي دموعي .. إنه سالم !! ضممته إلى صدري .. نظرت إليه .. قلت في نفسي .. لست أنت الأعمى .. بل أنا الأعمى .. حين انسقت وراء فساق يجرونني إلى النار .. عدنا إلى المنزل .. كانت زوجتي قلقة كثيراً على سالم .. لكن قلقها تحوّل إلى دموع حين علمت أنّي صلّيت الجمعة مع سالم .. من ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة في المسجد .. هجرت رفقاء السوء .. وأصبحت لي رفقة خيّرة عرفتها في المسجد.. ذقت طعم الإيمان معهم .. عرفت منهم أشياء ألهتني عنها الدنيا .. لم أفوّت حلقة ذكر أو صلاة الوتر .. ختمت القرآن عدّة مرّات في شهر .. رطّبت لساني بالذكر لعلّ الله يغفر لي غيبتي وسخريتي من النّاس .. أحسست أنّي أكثر قرباً من أسرتي .. اختفت نظرات الخوف والشفقة التي كانت تطل من عيون زوجتي .. الابتسامة ما عادت تفارق وجه ابني سالم .. من يراه يظنّه ملك الدنيا وما فيها .. حمدت الله كثيراً على نعمه .. ذات يوم .. قرر أصحابي الصالحون أن يتوجّهوا إلى أحدى المناطق البعيدة للدعوة .. تردّدت في الذهاب.. استخرت الله .. واستشرت زوجتي .. توقعت أنها سترفض .. لكن حدث العكس ! فرحت كثيراً .. بل شجّعتني ..فلقد كانت تراني في السابق أسافر دون استشارتها فسقاً وفجوراً .. توجهت إلى سالم .. أخبرته أني مسافر .. ضمني بذراعيه الصغيرين مودعاً .. تغيّبت عن البيت ثلاثة أشهر ونصف .. كنت خلال تلك الفترة أتصل كلّما سنحت لي الفرصة بزوجتي وأحدّث أبنائي .. اشتقت إليهم كثيراً .. آآآه كم اشتقت إلى سالم !! تمنّيت سماع صوته .. هو الوحيد الذي لم يحدّثني منذ سافرت .. إمّا أن يكون في المدرسة أو المسجد ساعة اتصالي بهم .. كلّما حدّثت زوجتي عن شوقي إليه .. كانت تضحك فرحاً وبشراً .. إلاّ آخر مرّة هاتفتها فيها .. لم أسمع ضحكتها المتوقّعة .. تغيّر صوتها .. قلت لها : أبلغي سلامي لسالم .. فقالت : إن شاء الله .. وسكتت .. أخيراً عدت إلى المنزل .. طرقت الباب .. تمنّيت أن يفتح لي سالم .. لكن فوجئت بابني خالد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره .. حملته بين ذراعي وهو يصرخ : بابا .. يابا .. لا أدري لماذا انقبض صدري حين دخلت البيت .. استعذت بالله من الشيطان الرجيم .. أقبلت إليّ زوجتي .. كان وجهها متغيراً .. كأنها تتصنع الفرح .. تأمّلتها جيداً .. ثم سألتها : ما بكِ؟ قالت : لا شيء .. فجأة تذكّرت سالماً .. فقلت .. أين سالم ؟ خفضت رأسها .. لم تجب .. سقطت دمعات حارة على خديها .. صرخت بها .. سالم .. أين سالم ..؟ لم أسمع حينها سوى صوت ابني خالد .. يقول بلثغته : بابا .. ثالم لاح الجنّة .. عند الله.. لم تتحمل زوجتي الموقف .. أجهشت بالبكاء .. كادت أن تسقط على الأرض .. فخرجت من الغرفة .. عرفت بعدها أن سالم أصابته حمّى قبل موعد مجيئي بأسبوعين .. فأخذته زوجتي إلى المستشفى .. فاشتدت عليه الحمى .. ولم تفارقه .. حين فارقت روحه جسده ..
هذه القصة كانت بالنسبة لي مؤثرة جدا فاحببت ان انقلها لكم عن منتديات الا انا .

 
Free Web Hosting